بأقلام المحللين .. أوباما في مصر

أوباما في مصر  بقلم: د.منار الشوربجى   

وقع اختيار أوباما على مصر ليلقى منها خطابا يوجهه للعالم الإسلامي الهدف الذي يرمى إليه أوباما من وراء ذلك الخطاب ويجعل مصر الاختيار الأنسب أن الرئيس الأمريكي يدرك تماما حجم الدمار الذي حلَّ بعلاقة بلاده بالعالم الإسلامي خلال الأعوام الثمانية الماضية، بفعل تبنى سلفه بوش سياسة قائمة على الغطرسة والأيديولوجيا والقوة الغاشمة.

المقال السابق
[بأقلام المحللين .. أوباما المنتظر]
سلسلة :خطاب أوباما للعالم الإسلامي
المقال التالي
[بأقلام المحللين .. العلاقات المصرية الأميركية تدخل مرحلة الهدايا المتبادلة]

خطاب أوباما للعالم الإسلامي من مصر فبوش بدأ عهده بالحديث عن الحرب الصليبية، ثم غزا بلدين مسلمين كبيرين وهدد غيرهما، وقدّم لإسرائيل شيكًا على بياض من التبريرات لكل ممارساتها، ثم ترك الحكم بعد أن أدخلت إدارته فى القاموس تعبيرات فجّة من نوع «الفاشية الإسلامية». ورغم أن أمريكا ظلت تحتفظ بعلاقات مع أغلب النظم السياسية في العالم الإسلامي- رغم توتر الكثير منها- فإن مشكلتها الحقيقية مع الشعوب لا الحكومات.

ففي الوقت الذي احتفظ فيه الكثير من تلك الحكومات بالقدرة على ضبط النفس والتعامل مع أمريكا بوش بمنطق «تخفيض تكلفة العلاقة للحد الأدنى» وصل القبول الشعبي للسياسات الأمريكية لأدنى مستوياته. بل إن الكثير من النظم الحليفة لأمريكا صارت تدفع ثمنًا شعبيًا باهظًا بسبب ذلك التحالف، الأمر الذي يضر بالمصالح الأمريكية.

ومن هنا جاءت فكرة توجيه الخطاب. فالهدف هو شعوب العالم الإسلامي لا حكوماته والمطلوب مخاطبتها بلغة جديدة على لسان رئيس له خلفية عائلية مركَّبة تربطه بالمسلمين. بعبارة أخرى، يريد أوباما البراجماتى طىّ صفحة الأيديولوجيا وبدء علاقة قائمة على المصالح. وهو حتى ينجح فى مهمته عليه أن يخاطب عقول المسلمين أولا للنفاذ لمشاعرهم.

وإذا كان الخطاب يستهدف «عقل» العالم الإسلامي فتصبح مصر الاختيار الأفضل، إذ يصبح الثقل الفكري المركَّب لمصر هو بالضبط ما يبحث عنه أوباما،فمصر ليست فقط بلد الأزهر والوسطية الإسلامية، ولكنها أيضًا التي نشأ فيها الإسلام السياسي فكريًا وحركيًا، الذي خرج من عباءته مختلف الجماعات والقوى الإسلامية، سواء التي استخدمت العنف أو تلك التي تبنت العمل السياسي السلمي.

ومصر أيضا هي التي أثرت بمفكريها وروادها فى مختلف التيارات الفكرية العلمانية على اتساع العالم العربى. باختصار، مصر هي ربما البلد الإسلامي الوحيد الذي أثر مفكروه الإسلاميون والعلمانيون معًا خارج حدوده. وإذا كان أوباما يوجّه خطابه لعقول المسلمين على اختلاف تياراتهم وانتماءاتهم الفكرية، فتصبح مصر هي القبلة.

فلاختيارها دلالة رمزية تحمل رسالة مؤداها- فى ظني- أن هذه الإدارة تدرك تركيب العالم الإسلامي الذي يتجلى بوضوح فى الحالة المصرية، وأنها ترفض أفكار “الأبيض والأسود” فى التعامل معه بل مع كل دولة من دوله بما فيها مصر بالمناسبة. ومن الواضح أن أوباما وفريقه يُولُون فعلا عناية فائقة بالدلالات الرمزية وما يكمن بين السطور من معانٍ يدركون أن تأثيرها أخطر من أى خطب.

لذلك، بينما يندر أن يزور رئيس أمريكي المنطقة دون أن يمر بتل أبيب، فإن الزيارة التى تستهدف رأب الصدع مع «شعوب» العالم الإسلامي لن تضم إسرائيل. لكن أوباما الذي ألقى أولًا رسالته للعالم الإسلامي من مصر ليطير منها مباشرة لألمانيا لزيارة أحد معسكرات النازي. وهى مرة أخرى لمحة تتجلى فيها أهم سمات شخصية أوباما وهى البرجماتية التي تسعى لإحداث توازنات بالغة الدقة.خطاب أوباما للعالم الإسلامي من مصرخطاب أوباما للعالم الإسلامي من مصر

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: